لاهية قلوبهم
القلوب اللاهية والغافلة مرض عضال أصيب به الكثير من هذه الأمة حتى أصبحت الموالاة والمحبة لأجل هذه الدنيا ومصالحها وحطامها وبسببها يتهاونون أو يتركون كثيرأ من أوامر ربهم، حتى أن بعضهم مستعد أن يترك الصلاة أو يؤخرها عن وقتها من أجل اجتماع عمل أو من أجل مباراة أو موعد مهم ونحو ذلك !! كل شيء في حياتهم له مكان ! للوظيفة مكان، للرياضة مكان، للتجارة مكان للرحلات مكان، للأفلام والمسلسلات وللأغاني مكان، للنوم مكان، للأكل والشرب مكان، كل شيء له مكان إلا القرآن وأوامر الدين، تجد الواحد منهم ما أعقله وأذكاه في أمور دنياه، لكن هذا العاقل المسكين لم يستفد من عقله فيما ينفعه في أُخراه.
إلى متى هذا الإعراض عن الله؟ ألم يأن لك أن تصحو من لهوك وغفلتك؟
إياك إياك أن تغتر بهذه الدنيا وتركن إليها وتكون هي همك وغايتك، فإنك مهما عشت فيها ومهما تنعمت بها فإنك راحل عنها لا محالة، فيا أسفاً لك إذا اتاك الموت ولم تتب ويا حسرةً لك إذا دعيت إلى التوبة ولم تجب، فكن عاقلأ فطناً واعمل لما أنت مقدم عليه فإن أمامك الموت بسكراته، والقبر بظلماته، والحشر بشدائده وأهواله، وهذه الأهوال ستواجهها حتما وحقا وستقف بين يدي الله وستسأل عن أعمالك كلها صغيرها وكبيرها.
حتى إن المرء لو نظر لأحوال بعض من هم في مجتمعاتنا لوجد جرأة عجيبة على الله، وسَيْرًا في طريق المعاصي والشهوات، وتهاونًا بالفرائض والواجبات. فمن يرى حالهم وما هم عليه من شدة جرأتهم على ارتكاب المعاصي وتهاونهم بها يقول: إن هؤلاء إما أنهم لم يصدقوا بالنار، أو أن النار قد خلقت لغيرهم، نسوا الحساب والعقاب وتعاموا عن ما أمامهم من أهوال وصعاب.
ومن أعظم أسباب الغفلة الجهل بالله وأسمائه وصفاته والاغترار بالدنيا والانغماس بشهواتها وصحبة السوء.
فحياة القلوب وصحتها ونورها وإشراقها وقوتها وثباتها على حسب إيمانها بالله، ومحبتها له، وشوقها إلى لقائه، وطاعتها له ولرسوله، وموتها ومرضها وظلمتها وحيرتها على حسب جهلها بالله وبحقه، وبعدها عن طاعته وطاعة رسوله، وإعراضها عن ذكره وتلاوة كتابه، وبسبب ذلك يستولي الشيطان على القلوب فيعدها ويمنيها ويبذر فيها البذور الضارة التي تقضي على حياتها ونورها، وتبعدها من كل خير، وتسوقها إلى كل شر فكيف السبيل إلى حياة القلوب:
- النظر والتفكر في الأمر الذي خلقنا لأجله.
- الإقبال على تلاوة القرآن العظيم والإكثار منها ليلاً ونهاراً مع التدبر والتفكر والتعقل لمعانيه العظيمة المطهرة للقلوب، المحذرة من متابعة الهوى والشيطان.
- الحذر من حضور مجالس اللهو والغناء وسماع القنوات والإذاعات الضارة، ومجالس القيل والقال، والخوض في أعراض الناس، وأشد من ذلك وأضر حضور مجالس السينما وأشباهها، ومشاهدة الأفلام الخليعة الممرضة للقلوب الصادة عن ذكر الله وتلاوة كتابه، الباعثة على اعتناق الأخلاق الرذيلة وهجر الأخلاق الحميدة، إنها والله من أشد آلات اللهو ضرراً، وأعظمها قبحاً، وأخبثها عاقبةً فاحذروها رحمكم الله، واحذروا مجالسة أهلها والرضى بعملهم القبيح.
- تعظيم سنة الرسول صلى الله عليه وسلم والرغبة في سماعها والحرص على حضور مجالس الذكر.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم:
"الحلال بين ، والحرام بين ، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس ، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات : كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغة : إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب".
فسلامة ومرض القلب تظهر جلية في جوارح الإنسان وتصرفاته وغالبا ما تكون تصرفاتنا في الحقيقة تعكس ما في قلوبنا...
ولمعرفة مدى سلامة قلبك اختبرها في أعمال القلوب: كالإخلاص، التوكل، الظن، التفكر، التقوى، الخوف، الرجاء، الرضا، الحمد والشكر، الصبر، المحاسبة، المحبة، الزهد...
نحن بحاجة ماسة ووقفة صادقة لمراجعة النفس قبل فوات الآوان وانظر كيف أنت في هذه الحياة، هل أنت من أولئك اللاهين الغافلين أم لا؟ وهل أنت تسير في الطريق الصحيح الموصل إلى رضوان الله وجنته، أم أنك تسير وفق رغباتك وشهواتك حتى ولو كان في ذلك شقاؤك وهلاكك، انظر أخي في أي الطريقين تسير فإن المسألة والله خطيرة وإن الأمر جد وليس بهزل، ولا أظن أن عندك شيء أغلى من نفسك فاحرص على نجاتها وفكاكها من النار ومن غضب الجبار، انظر أخي الحبيب كيف أنت مع أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، هل عملت بهذه الأوامر وطبقتها في واقع حياتك أم أهملتها وتجاهلتها وطبقت ما يناسبك ويوافق رغباتك وشهواتك.
نسمع الكثير من المواعظ والمحاضرات ونواجه الكثير من الحوادث والمواقف المؤثرة فلا نتعظ ونعتبر..فقلَّ من يٌذَكّر فيَتَذّكر.
إن زماننا هذا هو زمن الغفلة، وإذا أردت أن تتأكد من هذا فسِرْ في أرض الله وتأمل فيها وفي ساكنيها ماذا عساك أن ترى؟.
وختاما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: إن مجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشياطين، فليتخير العبد أعجبهما إليه وأَولاهما به، فهو مع أهله في الدنيا والآخرة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيذنا من اللهو والغفلة وأسبابها وسبلها ومضلات الفتن و خاتمة السوء، وأن يرزقنا ذكره وشكره، وأن يعيننا على حسن عبادته، إنه سميع مجيب.
المصدر:إبن باز، كلمات، طريق التوبة، صيد الفوائد
نص الآيات:
(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ...) الأنبياء
وفي التفسير:هذا تعجب من حالة الناس، وأنه لا ينجع فيهم تذكير، ولا يرعون إلى نذير، وأنهم قد قرب حسابهم، ومجازاتهم على أعمالهم الصالحة والطالحة، والحال أنهم في غفلة معرضون، أي: غفلة عما خلقوا له، وإعراض عما زجروا به. كأنهم للدنيا خلقوا، وللتمتع بها ولدوا، وأن الله تعالى لا يزال يجدد لهم التذكير والوعظ، ولا يزالون في غفلتهم وإعراضهم، ولهذا قال (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) يذكرهم ما ينفعهم ويحثهم عليه وما يضرهم، ويرهبهم منه (إِلا اسْتَمَعُوهُ) سماعا، تقوم عليهم به الحجة، (وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) أي: قلوبهم غافلة معرضة لاهية بمطالبها الدنيوية، وأبدانهم لاعبة، قد اشتغلوا بتناول الشهوات والعمل بالباطل، والأقوال الردية، مع أن الذي ينبغي لهم أن يكونوا بغير هذه الصفة، تقبل قلوبهم على أمر الله ونهيه، وتستمعه استماعا، تفقه المراد منه، وتسعى جوارحهم، في عبادة ربهم، التي خلقوا لأجلها، ويجعلون القيامة والحساب والجزاء منهم على بال، فبذلك يتم لهم أمرهم، وتستقيم أحوالهم، وتزكوا أعمالهم، وفي معنى قوله (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) قولان: أحدهما أن هذه الأمة هي آخر الأمم، ورسولها آخر الرسل، وعلى أمته تقوم الساعة، فقد قرب الحساب منها بالنسبة لما قبلها من الأمم، لقوله صلى الله عليه وسلم "بعثت أنا والساعة كهاتين" وقرن بين إصبعيه، السبابة والتي تليها.
والقول الثاني: أن المراد بقرب الحساب الموت، وأن من مات، قامت قيامته، ودخل في دار الجزاء على الأعمال، وأن هذا تعجب من كل غافل معرض، لا يدري متى يفجأه الموت، صباحا أو مساء، فهذه حالة الناس كلهم، إلا من أدركته العناية الربانية، فاستعد للموت وما بعده.
الترجمة:
:English Translation
1.
Draws near for mankind their reckoning, while they turn away in heedlessness.
2.
Comes not unto them an admonition (a chapter of the Qur’ân) from their Lord as a recent revelation but they listen to it while they play
3.
With their hearts occupied (with evil things)…
المقاطع الصوتية:
”الحذيفي”
”السديس”
”علي جابر”
”الشريم”
”عبدالباسط عبدالصمد”
”عبدالله خياط”
”محمد أيوب”
”المعيقلي”
”الأحمد”
”العفاسي”
”فارس عباد”
”الدوسري”
”القاسم”
”الغامدي”
”السبيعي”
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق