الصحبة الصالحة
من أوثق الروابط ومن أهم الركائز والأسس بعد الإيمان بالله الاخوة بالله فهي من الأسس المهمة التي يرتبط بها المسلم في حياته. ومن المعلوم لدى المسلم أنه لا أخوة بلا إيمان ولا صداقة حقيقية بلا تقوى وإذا انعدمت الصلة الروحية الإيمانية التقت الأجساد على المصالح الذاتية والمنافع الشخصية. ورابطة الأخوة هي قوام المجتمع ، وهي إحدى الدعامات في تأسيس دولة الإسلام في المدينة النبوية بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ،في قصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وما نتج عنها. وفي المقابل إذا انفكت هذه الرابطة وانعدمت بين المجتمع تحقق الفشل والضياع للأمة ولذا فإن أعظم وأروع نظام اجتماعي في العالم هو ما أسسه رسول الهدى محمد صلى الله عليه وسلم والذي يضرب فيه المثل.
والإنسان جُبِل على حبِّ مُخالطة الآخرين، وأن يتخذَ له جليسًا يعينه على مصالحه في دنياه وأخراه، والناس متفاوتون في دينهم وأخلاقهم، فمنهم الخيِّر الفاضل الذي ينتفع بصُحبته وصداقته الذين إذا نسيت ذكروك، وإذا ذكرت أعانوك و يبينون له مواطن العلل فيعمد إلى إصلاح نفسه، لأن هناك من يذكره بتقوى الله ويذكره بالموت وأجله، والقبر وظلمته والقيامة و أهوالها، والنار وعذابها والجنة و نعيمها. وفيها خيرٌ وبركة في الدُّنيا والآخرة ، ومنهم السيئ الذي يتضرَّر بصداقته ومعاشرته وحذرالإسلام المسلمين من سوء اختيار الصحبة و بالذات رفقاء السوء، الذين يجاهرون بالمعاصي ويباشرون الفواحش دون أي وازع ديني و لا أخلاقي لما في صحبتهم من الداء، وما في مجالستهم من الوباء، إن صحبة هؤلاء تجلب على صاحبها العار والسمعة السيئة في الدنيا و تؤدي به إلى سلوك مسالك الرذيلة والمعصية وكم من صديق كان سبباً في التحريض على ارتكاب المعاصي أو الاعتداء على الأعراض أو الوقوع في حد من حدود الله ، لا تهتز لهم شعرة ولا يرف لهم رمش ولا يتحرك فيهم إحساس بالندم على أفعالهم موتى ضمائرهم وأفئدتهم ، لا يخرجون من فاحشة إلا ليدخلوا في غيرها ، لا يتناهون عن منكر فعلوه يدفع بعضهم بعضاً إلى اقتحام المعاصي وينشرونها بينهم ويجرون غيرهم إليها ، وهم لن يستيقظوا على أنفسهم إلا وهم يعضون على أيديهم حسرة وندماً ،ومع الأسف الشديد قد وصل عند البعض إلى حد الإعجاب بالشخص فيصبح همه الأول والأخير.
"عن علي، رضي الله عنه: ( الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ ) قال: خليلان مؤمنان، وخليلان كافران، فتوفي أحد المؤمنين وبشر بالجنة فذكر خليله، فقال: اللهم، إن فلانا خليلي كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، وينبئني أني ملاقيك، اللهم فلا تضله بعدي حتى تريه مثل ما أريتني، وترضى عنه كما رضيت عني. فيقال له: اذهب فلو تعلم ما له عندي لضحكت كثيرا وبكيت قليلا. قال: ثم يموت الآخر، فتجتمع أرواحهما، فيقال: ليثن أحدكما على صاحبه، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: نعم الأخ، ونعم الصاحب، ونعم الخليل. وإذا مات أحد الكافرين، وبشر بالنار ذكر خليله فيقول: اللهم إن خليلي فلانا كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك، اللهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما أريتني، وتسخط عليه كما سخطت علي. قال: فيموت الكافر الآخر، فيجمع بين أرواحهما فيقال: ليثن كل واحد منكما على صاحبه. فيقول كل واحد منهما لصاحبه: بئس الأخ، وبئس الصاحب، وبئس الخليل."*
قيل لأحد الصالحين: من نُجالس? قال:"من تُذكركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله"
روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: "مثَلُ الجليس الصالح والسوء، كحامِل المسك ونافخ الكير؛ فحامِلُ المسك إمَّا أن يُحذِيك، وإمَّا أن تبتاعَ منه، وإما أن تجدَ منه ريحًا طيبة، ونافخُ الكير إمَّا أن يحرق ثيابك، وإمَّا أنْ تجد ريحًا خبيثة".
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل قرين بالمقـــــــارن يقتــــــــدي
ومن فضائل الأخوة بالله:
• هي من أوثق عرى الإيمان ، وتحقيقها عبادة من العبادات العظيمة ، بل هي من كمال الإيمان
قال عليه الصلاة والسلام " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان " وذكر منها... ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله... "
• تستجلب محبة الله سبحانه وتعالى
قال الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي : "وجبت محبتي للمتحابين في ، وللمتجالسين في ، وللمتزاورين في ، وللمتباذلين في".
• أنها سبيل إلى ظل عرش الجبار جل جلاله ، في يوم يفر المرء فيه من أخيه,وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه,قال عليه الصلاة والسلام في السبعة الذين يضلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : "ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه "
• أنها سلم للوصول إلى الدرجات العلا يوم القيامة ، وسبب في دخول الجنة فلا تجد وجوه المتحابين في الآخرة إلا نيرة وقلوبهم آمنة ، لا يحزنهم الفزع الأكبر ، وصدق نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم حين قال "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا.."
• أنها عماد التعاون على البر والتقوى ، ذلك أن الأخوة قوة إيمانية تورث المحبة والثقة والارتباط الذي بدوره يولد أصدق العواطف في اتخاذ مواقف إيجابية من التعاون والإيثار والرحمة والعفو والتكافل ، وفي اتخاذ مواقف سلبية من الابتعاد عن كل ما يضر الناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم .
• أن الأخوة طريق النجاة من وعيد الله تعالى الذي توعد الله به من آثر الحياة الدنيا على محبته سبحانه وتعالى , قال الله تعالى (قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (24))التوبة.
والمحبة في الله تعتبر جالبة لعبادات أخرى بين المتاحبين في الله: كالمصافحة ،عيادة المريض، السلامة من الخسران في الدنيا والآخرة، إحياء التزاور بين الأحبة في الله، تحقيق مبدأ السلام فهي تحية أهل الجنة،تبادل النصيحة في الله، حب الخير للغير، النصرة لدين الله في كل مكان يرفع فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله.
ولتحقق الأخوة في الله:
- أن تكون خالصة لله عز وجل
- اقترانها بالإيمان والتقوى
- التعاون على البر والتقوى ، وهو الهدف الأول من عقد الأخوة
- التكافل والتباذل والتضحية والتعاون على ضرورات المعيشة وحاجاتها والاستعانة على نوائب الدهر
- أن تكون قائمة على النصح في الله عز وجل
- الالتزام بمنهج الإسلام وتعاليمه
- أن الأخوة رباط المجتمع وعماده ، وصمام أمانه , وسر قوته
قديما قيل : قل لي من تصاحب ؟! أقل لك من أنت ، ومصادقة لهذا المثل قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل". وقد أوصى بعض الحكماء أحد أبنائه قائلا : "يا بنى إذا أردت صحبة إنسان فاصحب من إذا خدمته صانك ، وإن صحبته زانك " إن اختيار الصديق مرحلة خطيرة تشبه مرحلة اختيار الزوجة من حيث إنها تشكل منعطفا في حياة المرء له ما بعده ، وما أحسن ما قاله وهب بن منبه رحمه الله " استكثر من الإخوان ما استطعت ، فإن استغنيت عنهم لم يضروك ، وإن احتجت إليهم نفــعــوك "
لنحرص على اختيار الصحبة الصالحة التي تنفعنا في دنيانا وآخرتنا ونقطة مهمة جدا ً يجب علينا عدم تجاهلها أو التقليل من شأنها وهي الإهتمام بأبنائنا ومتابعتهم ومن يصحابهم وهم صغار فإن هذه المرحلة هي من أخطر مراحل العمر ، وعلى ما نشئ عليه الفتى يقضي بقية عمره في الغالب، فهذه النقطة لها تأثير كبير على فكرهم وتوجههم ومستقبلهم والتي قد غفل عنها كثيرا من الناس فلا حول ولاقوة إلا بالله.
أوصى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بوصية جامعة فقال: "عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يُقليك منه، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من يخشى الله، ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، لا تطلعه على سرّك "
واعلم أن لقاء الإخوان جلاء الأحزان وأن الناس أنواع وأصناف ودرجات ، ولكل واحد منهم منزلة ومكانة خاصة .فالواجب عليك أخي الحبيب إنزال الناس منازلهم وأن تمنح من وقتك وجهدك لكل منهم ما يليق به ، ويتناسب مع مستواه ، ومن جهل أقدار الرجال كان بنفسه أجهل ، ولذلك كان من أعسر الأمور ، إدارة العلاقات الاجتماعية لحاجتها إلى فهم النفسيات وحسن التعامل معها .
ختاما ً... اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك ..
إلى من تطلعت نفسه لحب الله وحب رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام..
إلى من أحب في الله وأبغض لله ومنع لله وأعطى لله ..
إلى من علت نفسه وزكت روحه بالنقاء و الطهر والصفاء ..
إلى كل مؤمن حسنت صلته بالله وبعباد الله وإخوانه المسلمين ..
لا تنسى أن تقول لمن أحببت في الله:
إني أحبك في الله...
المصدر: *تفسير ابن كثير،كلمات ،صيد الفوائد
نص الآية:
(الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67))الزخرف
التفسير:
وإن الأخلاء يومئذ، أي: يوم القيامة، المتخالين على الكفر والتكذيب ومعصية اللّه، ( بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) لأن خلتهم ومحبتهم في الدنيا لغير اللّه، فانقلبت يوم القيامة عداوة. ( إِلا الْمُتَّقِينَ ) للشرك والمعاصي، فإن محبتهم تدوم وتتصل، بدوام من كانت المحبة لأجله.
الترجمة:
:English Translation
67. Friends on that Day will be foes one to another except Al-Muttaqûn.
المقاطع الصوتية:
نوع AMR
”الحذيفي”
”السديس”
”علي جابر”
”الشريم”
”عبدالباسط عبدالصمد”
”عبدالله خياط”
”محمد أيوب”
”المعيقلي”
”العفاسي”
”الأحمد”
”فارس عباد”
”الدوسري”
”القاسم”
”الغامدي”
”المحيسني”
المقاطع الصوتية:
نوع MP3
”الحذيفي”
”السديس”
”علي جابر”
”الشريم”
”عبدالباسط عبدالصمد”
”عبدالله خياط”
”محمد أيوب”
”المعيقلي”
”العفاسي”
”الأحمد”
”فارس عباد”
”الدوسري”
”القاسم”
”الغامدي”
”المحيسني”
نص الآيات:
(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (29))الفرقان
وفي التفسير:
( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ ) بشركه وكفره وتكذيبه للرسل ( عَلَى يَدَيْهِ ) تأسفا وتحسرا وحزنا وأسفا. ( يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ) أي طريقا بالإيمان به وتصديقه واتباعه.
( يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا ) وهو الشيطان الإنسي أو الجني، ( خَلِيلا ) أي: حبيبا مصافيا عاديت أنصح الناس لي، وأبرهم بي وأرفقهم بي، وواليت أعدى عدو لي الذي لم تفدني ولايته إلا الشقاء والخسار والخزي والبوار.
( لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ) حيث زين له ما هو عليه من الضلال بخدعه وتسويله. ( وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنْسَانِ خَذُولا ) يزين له الباطل ويقبح له الحق، ويعده الأماني ثم يتخلى عنه ويتبرأ منه كما قال لجميع أتباعه حين قضي الأمر، وفرغ الله من حساب الخلق )وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ )الآية. فلينظر العبد لنفسه وقت الإمكان وليتدارك الممكن قبل أن لا يمكن، وليوال من ولايته فيها سعادته وليعاد من تنفعه عداوته وتضره صداقته. والله الموفق.
الترجمة:
:English Translation
27. And (remember) the Day when the Zâlim (wrong-doer, oppressor, polytheist) will bite at his hands, he will say: "Oh! Would that I had taken a path with the Messenger (Muhammad Peace be upon him).
28. "Ah! Woe to me! Would that I had never taken so-and-so as a Khalîl (an intimate friend)!
29. "He indeed led me astray from the Reminder (this Qur’ân) after it had come to me. And Shaitân (Satan) is to man ever a deserter in the hour of need." [Tafsir Al-Qurtubi]
28. "Ah! Woe to me! Would that I had never taken so-and-so as a Khalîl (an intimate friend)!
29. "He indeed led me astray from the Reminder (this Qur’ân) after it had come to me. And Shaitân (Satan) is to man ever a deserter in the hour of need." [Tafsir Al-Qurtubi]
المقاطع الصوتية:
نوع AMR”الحذيفي”
”السديس”
”علي جابر”
”الشريم”
”عبدالباسط عبدالصمد”
”عبدالله خياط”
”محمد أيوب”
”المعيقلي”
”العفاسي”
”الأحمد”
”فارس عباد”
”الدوسري”
”الغامدي”
”المحيسني”
”القطامي”
المقاطع الصوتية:
نوع MP3
”الحذيفي”
”السديس”
”علي جابر”
”الشريم”
”عبدالباسط عبدالصمد”
”عبدالله خياط”
”محمد أيوب”
”المعيقلي”
”العفاسي”
”الأحمد”
”فارس عباد”
”الدوسري”
”الغامدي”
”المحيسني”
”القطامي”
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق