الأحد، 7 سبتمبر 2014

البطاقة الحادية والسبعين


لنترك لنا أثرا ً بعد رحيلنا...



الكثير منا يفكر في مشاريع دنيوية تعود عليه بالنفع في هدف سواء كان مادي أو معنوي تعددت الأهداف وتنوعت السبل لتحقيق النجاح في مثل هذه المشاريع. ولكن السؤال هل تفكرنا يوما بمشاريع طويلة الأمد وذلك بعد أن ينقطع ذكرنا من هذه الدنيا. فكثير من الأعمال تتوقف بعد وفاتنا ولكن في الحقيقة هناك أعمال أخرى قد غفل عنها البعض والتي يستمر أثرها حتى بعد مماتنا. 
فقد قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية , أو علم ينتفع به , أو ولد صالح يدعو له "

والناس بعد الممات ينقسمون إلى قسمين باعتبار جريان الحسنات والسيئات عليهم:
القسم الأول: من يموت وتنقطع حسناته وسيئاته على السواء، فليس له إلا ما قدَّم في حياته الدنيا.
القسم الثاني: من يموت وتبقى آثار أعماله من حسناتٍ وسيئاتٍ تجري عليه، وهذا القسم على ثلاثة أصناف:
الأول: من يموت وتجري عليه حسناته وسيئاته، فمثل هذا يتوقف مصيره على رجحان أيٍ من كفتي الحسنات أم السيئات.
الثاني: من يموت وتنقطع سيئاته، وتبقى حسناته تجري عليه وهو في قبره، فينال منها بقدر إخلاصه لله تعالى واجتهاده في الأعمال الصالحة في حياته الدنيا، فيا طيب عيشه ويا سعادته.
الثالث: من يموت وتنقطع حسناته، وتبقى سيئاته تجري عليه دهراً من الزمان إن لم يكن الدهر كله، فهو نائم في قبره ورصيده من السيئات يزداد يوماً بعد يوم، حتى يأتي يوم القيامة بجبال من السيئات لم تكن في حسبانه، فيا ندامته ويا خسارته.

ومع الأسف الشديد أن كثيرا ً من الناس يغفلون عن مسألة السيئات الجارية وخطورة شأنها، لأنَّ من السيئات ما إذا مات صاحبها فإنها تنتهي بموته، ولا يمتد أثر تلك السيئات إلى غير صاحبها، ولكنْ من السيئات ما تستمر ولا تتوقف بموت صاحبها، بل تبقى وتجري عليه، وفي ذلك يقول أبو حامد الغزالي: " طوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه، والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه مائة سنة ومائتي سنة أو أكثر يعذب بها في قبره ويسئل عنها إلى آخر انقراضها " 
وقد جاءت النصوصُ الشرعيةُ محذِّرة من هذا النوع من السيئات، منها قوله تعالى: ( لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ) [النحل : 25] ، وقال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام أيضا "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها ، وأجر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ، ووزر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"

قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ سَمِعْت مُجَاهِدًا يَقُول فِي قَوْله تَعَالَى " إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُب مَا قَدَّمُوا وَآثَارهمْ " قَالَ مَا أَوْرَثُوا مِنْ الضَّلَالَة . وَقَالَ اِبْن لَهِيعَة عَنْ عَطَاء بْن دِينَار عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي قَوْله تَعَالَى " وَنَكْتُب مَا قَدَّمُوا وَآثَارهمْ " يَعْنِي مَا أَثَّرُوا يَقُول مَا سَنُّوا مِنْ سُنَّة فَعَمِلَ بِهَا قَوْم مِنْ بَعْد مَوْتهمْ فَإِنْ كَانَتْ خَيْرًا فَلَهُمْ مِثْل أُجُورهمْ لَا يَنْقُص مِنْ أَجْر مَنْ عَمِلَ بِهِ شَيْئًا وَإِنْ كَانَتْ شَرًّا فَعَلَيْهِمْ مِثْل أَوْزَارهمْ وَلَا يَنْقُص مِنْ أَوْزَار مَنْ عَمِلَ بِهَا شَيْئًا ذَكَرَهُمَا اِبْن أَبِي حَاتِم وَهَذَا الْقَوْل هُوَ اِخْتِيَار الْبَغَوِيّ .

وبما أننا نعيش في عصرٍ تيسَّرتْ فيه وسائل الاتصالات ونقل المعلومات أصبح من الأهمية بمكان التذكير بشناعة السيئات الجارية ومدى خطورتها على صاحبها، فكم من إنسان أهلك نفسه وحمَّل كاهله سيئاتٍ لم تكن محسوبة عندما نصَّب نفسه داعياً إلى الضلال وناشراً إلى المنكر من حيث يشعر أو لا يشعر سواء كان ذلك برسالة نصية عبر برامج التواصل أو إرسال صورة أو مقطع أو رابط أو منتدى أو موقع أو غيرها من الأمور فعلينا أن نفكر مليا ً قبل المساهمة في نشرها والتفكر في عاقبة ذلك هل سينفعنا بعد موتنا أم سيكون ذلك وبالا ً علينا...

فالحياة كاللوحة الفنية عليك أن تبدع في رسمها خلال حياتك وانظر وتفكر بحال من يراها بعد وفاتك، عندما يقف ويشاهد ما رسمت أو بعبارة أخرى ماذا قدم فلان أو ما هو أثر فلان في هذه الدنيا

ما هو المشروع الذي تريد أن يُثبت في صحيفة عملك بعد موتك؟..
ما قيمة الإنسان بعد موته؟..

قيمته بعمل صالح يكون رفيقاً له في ظلمات القبر . 
قيمته بسجدة سجدها لله ، خالصة لوجه الله وابتغاء مرضات الله تنير له ظلمات القبر .
قيمته بذكر طيب خلده بعد موته سيظل يتردد في أنحاء العالم الدنيوي كشهادة على بره وتقواه . 
قيمته بمصحف ورثه يقرأ منه القارئ فتزيد حسناته. 
قيمته بولد صالح يدعوا له في كل لحظة وساعة دعاء ابن بار شفقة بوالده وطلباً لمرضاة الله .
قيمته بكل فعل خير وقول خير نشره أو تركه . 
هي دعوة لي ولكم أن نحدد قيمتنا ونحدد حياتنا القادمة .
هي دعوة لوقف خير نتركه بعد رحيلنا .
هي دعوة لحياة أخرى نعيشها بعد وفاتنا .
هي دعوة لنا جميعا أن ندعو لمن فقدناهم بالرحمة وأن نتذكرهم بالصدقة وأن لا ننساهم من أعمال البر كوقف مصحف أو حج أو عمرة أو حفر بئر أو كفالة يتيم . 
وتذكر أن ما تقوم به الآن لهم وما تبذله من أجلهم هو عمل خير لك أجره ولهم .
وتذكر أن ما تقوم به الآن لهم ستجد من يقوم به لك أنت حينما تكون في قبرك .

ختاما .. 
اترك أثراً .. قبل الرحيل !
فمن لا أثر له لا وجود له , من لا أثر له لا حياة له .

المصدر: صيد الفوائد

نص الآية:
(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12))يس


وفي التفسير:
( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى ) أي: نبعثهم بعد موتهم لنجازيهم على الأعمال، ( وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا ) من الخير والشر، وهو أعمالهم التي عملوها وباشروها في حال حياتهم، ( وَآثَارَهُمْ ) وهي آثار الخير وآثار الشر، التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فكل خير عمل به أحد من الناس، بسبب علم العبد وتعليمه ونصحه، أو أمره بالمعروف، أو نهيه عن المنكر، أو علم أودعه عند المتعلمين، أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته، أو عمل خيرا، من صلاة أو زكاة أو صدقة أو إحسان، فاقتدى به غيره، أو عمل مسجدا، أو محلا من المحال التي يرتفق بها الناس، وما أشبه ذلك، فإنها من آثاره التي تكتب له، وكذلك عمل الشر.
ولهذا: ( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) وهذا الموضع، يبين لك علو مرتبة الدعوة إلى اللّه والهداية إلى سبيله بكل وسيلة وطريق موصل إلى ذلك، ونزول درجة الداعي إلى الشر الإمام فيه، وأنه أسفل الخليقة، وأشدهم جرما، وأعظمهم إثما.
( وَكُلَّ شَيْءٍ ) من الأعمال والنيات وغيرها ( أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) أي: كتاب هو أم الكتب وإليه مرجع الكتب، التي تكون بأيدي الملائكة، وهو اللوح المحفوظ.


الترجمة:
:English Translation

12.
Verily, We give life to the dead, and We record that which they send before (them), and their traces [their footsteps and walking on the earth with their legs to the mosques for the five compulsory congregational prayers, Jihâd (holy fighting in Allâh’s Cause) and all other good and evil they did, and that which they leave behind] and all things We have recorded with numbers (as a record) in a Clear Book.

المقاطع الصوتية:نوع AMR
”الحذيفي”
”السديس”
”علي جابر”
”الشريم”
”عبدالباسط عبدالصمد”
”عبدالله خياط”
”محمد أيوب”
”المعيقلي”
”العفاسي”
”الأحمد”
”فارس عباد”
”الدوسري”
”القاسم”
”الغامدي”
”المحيسني”
”القطامي”


المقاطع الصوتية:نوع MP3
”الحذيفي”
”السديس”
”علي جابر”
”الشريم”
”عبدالباسط عبدالصمد”
”عبدالله خياط”
”محمد أيوب”
”المعيقلي”
”العفاسي”
”الأحمد”
”فارس عباد”
”الدوسري”
”القاسم”
”الغامدي”
”المحيسني”
”القطامي”

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق