ومن الناس من يعبد الله على حرف
كيف حال عبادتنا مع الله وما مدى تأثرها بما يقع لنا من أحداث في حياتنا؟
هل حالنا مع الله في السراء والضراء سواء؟
وهل نطلب مكافاة من الله مقابل عبادتنا؟
وهل تتأثر علاقتنا مع الله عند الإبتلاء؟
إن الحاجة عظيمة ماسَّة إلى بناء أنفسنا، وتأسيسها على تقوى من الله ورضوان، أشد من الحاجة إلى الطعام والشراب والكساء. وذلك لكثرة الفتن والمغريات وأصناف الشهوات والشبهات؛ ولكثرة حوادث النكوص على الأعقاب، والانتكاس.
ومن المؤسف جهل المسلمين في هذه الأيام بحقيقة هذا الدين ، فمنهم من يقول : إذا تبت وأنبت إلى الله وعملت صالحا ضيق علي رزقي ونكد علي معيشتي ، وإذا رجعت إلى المعصية وأعطيت نفسي مرادها جاءني الرزق والعون ، ونحو هذا. هو يعبد الله من أجل بطنه وهواه ، وإذا حصل مثل هذا فالله يختبر صدق العبد وصبره ، فلا إله إلا الله ! كم فسد بهذا الاغترار من عابد جاهل ، ومتدين لا بصيرة له ، ومنتسب إلى العلم لا معرفة له بحقائق الدين ، أما قرأت قوله تعالى : (( ومن الناس من يعبد الله على حرف... (11)) الحج، فسبحان الله ! كم صدت هذه الفتنة الكثير عن القيام بحقيقة هذا الدين ، والسبب : الجهل بالدين ، والجهل بحقيقة النعيم الذي يطلبه ويعمل من أجل أن يصل إليه ، كم نسبة نعيم الدنيا بالنسبة لنعيم الآخرة؟ أما الأوامر والنواهي فهي رحمة وحمية، وابتلى الله المؤمنين بالدنيا حتى لا يطمئنوا ويركنوا إليها ويرغبوا في نعيم الآخرة .
وعلى هذا فالناس مختلفون في بناء أنفسهم وتأسيسها وتربيتها اختلافاً بيِّنًا جليًّا واضحًا، يظهر ذلك في استقبال المِحَن والمِنَح، والنعم والنِقَم، والترغيب والترهيب، والفقر والغنى؛ فمنهم من أسَّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان؛ فلا تضره فتنة ولا تُزَعْزعُه شبهة، ولا تغلبه شهوة ،صامد كالطود الشامخ، والسر في الإيمان، الذي إذا خالطت بشاشته القلوب ثبت صاحبه.
هذه سمة المؤمنين، الاطمئنان إلى الله يملأ نفوسهم فيبنيها، يحرك جوارحهم فيقوِّيها. لا يستمدون تصوراتهم وقِيَمَهم وموازينهم من الناس، وإنما يستمدونها من رب الناس.
هذا هو الصنف الأول من الناس ممن أسَّسَ بنيانه على تقوى من الله ورضوان؛ هامات لا تنحني، وقامات لا تنثني، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل هذا الصنف .
أما الصنف الثاني: فأسَّس بنيانه على شفا جُرُف هارٍ، يعبد الله على حرف، إن أصابه خير اطمأنَّ به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، فؤاده هواه، بصره زائغ، عقله فارغ، قد غرق في شهواته و نزواته الهابطة.
يقول ابن رجب : " يا هذا اعبد الله لمراده منك لا لمرادك منه " ماذا يريد منك؟ اعبده بناءً على ما يريد منك، ولا تعبده بناءً على ما تريده منه، فإذا جئت مضطراً وغرقت في البحر، جئت تعبده لكي ينجيك، وإذا مرضت، صرت تعبده لكي يشفيك، وإذا افتقرت صرت تعبده لكي يغنيك فقط، يقول: هذا خطير، فمن عبده لمراده منه، فهو ممن يعبد الله على حرف، إن أصابه خيرٌ اطمأن به، لو جاءك المال قلت: هذه العبادة .. هذا الأثر منها، ولو جاءتك الصحة بعد المرض، قلت: هذا بسبب الدعاء والعبادة.ولو طلبت الغنى بعد الفقر وما أتاك الغنى، وطلبت الصحة في المرض وما أتتك الصحة، هنا ينقلب الذين لم تثبت في طريق الدين أقدامهم. ولذلك قال: " يا هذا اعبد الله لمراده منك، لا لمرادك منه، فمن عبده لمراده منه فهو ممن يعبد الله على حرف، إن أصابه خيرٌ اطمأن به، وإن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ". كان بعضهم يأتي إلى المدينة ، يقول: نجرب الإسلام، إن ولدت المرأة ذكراً، وأنتجت الخيل وجاءت بمهر، فهذا دين خير، وإن جاءت زوجته بأنثى وهذه الخيل ماتت والزرع ضاع، قال: هذا دين سوء، لا رغبة فيه. فإذاً: العبادة على مراد الشخص، وليست على مراد الله، فمن كان يفعل العبادة بناءً على هذا ينتكس وينقلب قال: " وفي بعض الكتب السالفة: من أحب الله لم يكن شيءٌ عنده آثر من رضاه، ومن أحب الدنيا لم يكن شيءٌ عنده آثر من هوى نفسه".قال الحسن : " ما نظرت ببصري، ولا نطقت بلساني، ولا بطشت بيدي، ولا نهضت على قدمي؛ حتى أنظر على طاعة الله أو على معصية، فإن كانت طاعة تقدمت، وإن كانت معصية تأخرت ". البطشة أو الكلمة أو النظرة أو الخطوة إن كان طاعة تقدمت، وإن كانت معصية تأخرت، وهكذا تكون حقيقة العبودية أن ينزل العبد أعمال الجوارح على الآيات والأحاديث ومقاييس طاعة الله عز وجل، فإن وافقت مراد الله وما يحبه الله تقدم وعمل، وإن خالفت أحجم ورجع.
المصدر: صيد الفوائد، اسلام ويب
نص الآية:
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11))الحج
وفي التفسير:
أي: ومن الناس من هو ضعيف الإيمان، لم يدخل الإيمان قلبه، ولم تخالطه بشاشته، بل دخل فيه، إما خوفا، وإما عادة على وجه لا يثبت عند المحن، ( فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ) أي: إن استمر رزقه رغدا، ولم يحصل له من المكاره شيء، اطمأن بذلك الخير، لا بإيمانه. فهذا، ربما أن الله يعافيه، ولا يقيض له من الفتن ما ينصرف به عن دينه، ( وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ) من حصول مكروه، أو زوال محبوب ( انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ) أي: ارتد عن دينه، ( خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ) أما في الدنيا، فإنه لا يحصل له بالردة ما أمله الذي جعل الردة رأسا لماله، وعوضا عما يظن إدراكه، فخاب سعيه، ولم يحصل له إلا ما قسم له، وأما الآخرة، فظاهر، حرم الجنة التي عرضها السماوات والأرض، واستحق النار، (ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(أي: الواضح البين
الانجليزي
English Translation: 11. And among mankind is he who worships Allâh as it were, upon the edge (i.e. in doubt): if good befalls him, he is content therewith; but if a trial befalls him, he turns back on his face (i.e. reverts to disbelief after embracing Islâm). He loses both this world and the Hereafter. That is the evident loss.
المقاطع الصوتية:
نوع AMR
”الحذيفي”
”السديس”
”علي جابر”
”الشريم”
”عبدالباسط عبدالصمد”
”عبدالله خياط”
”محمد أيوب”
”المعيقلي”
”العفاسي”
”الأحمد”
”فارس عباد”
”الدوسري”
”القاسم”
”الغامدي”
”المحيسني”
”سعد السبيعي”
جديد
نوع MP3
”الحذيفي”
”السديس”
”علي جابر”
”الشريم”
”عبدالباسط عبدالصمد”
”عبدالله خياط”
”محمد أيوب”
”المعيقلي”
”العفاسي”
”الأحمد”
”فارس عباد”
”الدوسري”
”القاسم”
”الغامدي”
”المحيسني”
”سعد السبيعي”
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق