أنفقوا من طيب مالكم بطيب نفس
جُبلت النفوس على حب المال والسعي بجمعه بشتى الطرق بل وتكون سعيدة بذلك ،ولكن عند بذل المال في وجه الخير كالزكاة والصدقة وأعمال البر كيف تكون نفوسنا؟ هل نخرج المال بطيب نفس ومن أفضل ما عندنا أم أننا نبخل بذلك وإن اجبرنا بإخراجه نختار أسوء أموالنا!
أخي عندما تبذل المال فإنك تبذل المال وتقدمه لله سبحانه وليس طلبا لرضا أحد من البشر فكيف ستقدم المال وما الذي ستقدمه هل سيكون من أفضل مالك أم ماذا؟
فما أجمل أن تكون في الخفاء لأنها أقرب إلى الإخلاص وما أجمل أن تكون في حال الصحة والقوة وما أجمل أن تبذل قدر استطاعتك ولا تحقرن شيئا فرُبَ قليل له الأثر الكبير وما أجمل أن تكون في الأقربين المحتاجين.
لقد حث الله عباده المؤمنين على الإنفاق من طيبات ما كسبوا ومما أخرجه الله لهم من الأرض، كما نهاهم وحذرهم من النفقة من كل مال خبيث؛ فعليك أن تتصدق بالحسن الجيد، وأن تخرجها طيبة بها نفسك، واحذر تعمد الخبيث، فإنَّ الله طيب لا يقبل إلاَّ طيباً، وعليك أن تقدم للآخرين ما تحب أن يقدموه لك وهذا يشمل الصدقة الواجبة، وصدقة التطوع فقال سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ(267)) البقرة.
وسبب النزول: عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- في هذه الآية قال: نزلت في الأنصار، كانت الأنصار إذا كانت أيام جذاذ النخل أخرجت من حيطانها البسر فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيأكل فقراء المهاجرين منه فيعمد الرجل منهم إلى الحشف فيدخله مع أقناء البسر يظن أن ذلك جائز فأنزل الله فيمن فعل ذلك: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ)..
ورغب الإسلام في الصدقة، والعطف على الفقراء، ومواساة أهل الحاجة والمسكنة، ورتب على ذلك أعظم الأجر عند الله تعالى يوم القيامة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها، كما يربى أحدكم فلوه - أي مهره - حتى تكون مثل الجبل) متفق عليه.
و لقد قرن الله نيل البر بالإنفاق مما يحبه المرء فقال: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (92))آل عمران . قال ابن عباس في تأويل آية البقرة السابقة: "أمرهم بالإنفاق من أطيب المال، وأجوده، وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه، وهو خبيثه، فإن الله طيب لا يقبل إلاَّ طيباً".
ولهذا كان الصحابة يتنافسون ويتسابقون في إنفاق أطيب ما عندهم
فها هو أبو طلحة الأنصاري عندما نزلت: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ)، قال: يا رسول الله، إن أحب أموالي إلي بَيْرُحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله؛ فقبلها منه، وقال: "اجعلها في الأقربين"، ففعل.
وكان ابن عمر إذا أَعجبه شيء من ماله تصدق به،
وكان عمر بن عبد العزيز يشتري أعدالاً من السكر ويتصدق بها، فقيل له: تصدق بقيمتها؛ قال: لأن السكر أحب إليَّ فأردت أن أنفق مما أحب.
من حقوق المال إنفاقه في الأوجه المشروعة وهي نوعان :
أ- واجب : كالإنفاق على النفس والولد والزوجة ، وأداء الزكاة المفروضة ونحو ذلك .
ب- مستحب : كصدقة التطوع ، والإنفاق في أوجه البر المتنوعة كالنفقة على اليتامى والأرامل والفقراء والمساكين ، كالهبات والهدايا وحفر الآبار، وبناء المساجد، والتبرع لمؤسسات البر والإغاثة ونحو ذلك .
أيها التجار، أيها المحسنون، لا تيمموا البائر، والكاسد، والخبيث من بضائعكم تنفقون و اتقوا الله ولا تشتروا الخبيث الرخيص، فإنكم موقوفون بين يدي ربكم وسائلكم عن ذلك، أيها المؤمنون أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما جعلكم مستخلفين فيه، فالمال مال الله والعبيد مستخلفون فيه.
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيم علم) الترمذي وحسنه الألباني .
وذكر عليه الصلاة والسلام الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له) رواه مسلم. هذا الحديث يتحدث عن أثر الكسب الطيب في قبول العمل والدعاء وأسباب قبول الدعاء وموانعه
فهل حاسبت نفسك - أخي المسلم - عن مالك، من أين اكتسبته، وفيم أنفقته؟ هل اكتسبته من حلال وأنفقته في حلال؟ أم اكتسبته من حرام وأنفقته في حرام؟ أم اكتسبته من حلال وأنفقته في الحرام؟
واعلم - أخي المسلم - أن المال سبب موصل إما إلى الجنة وإما إلى النار، فمن استعان به على طاعة الله، وأنفقه في سبل الخيرات، كان سببا موصلا إلى رضوان الله والفوز بالجنة، ومن استعان به على معصية الله، وأنفقه في تحصيل شهواته المحرمة، واشتغل به عن طاعة الله، كان سببا في غضب الله عليه واستحقاقه العقاب الأليم
فما أسعد المتصدقين! إذ دلت النصوص الثابتة على أن صاحب المال يدرك بتصدقه وإنفاقه من ثواب عمل العامل بمقدار ما أعانه عليه حتى يكون له مثل أجره متى استقل بمؤونة العمل من غير أن ينقص ذلك من أجر العامل شيئاً..
فيا من يستطيع أن يجاهد وهو قاعد، ويصوم وهو آكل شارب، ويعلِّم القرآن، وينشر الخير، ويدعو إلى الله في كل مكان وهو في بيته لم يباشر من ذلك شيئاً لا تَحْرم نفسك الأجر ولا تمنعها الثواب، واعلم بأن المال زائل والعمل باق؛ إذ لم يخلد أحد مع ماله، ولم يدخل مالٌ القبر مع صاحبه، بل هو وديعة لديك، ولا بد من أخذها منك، فما بالك تغفل عن ذلك؟!
جعلنا الله وإياكم ممن يقولون فيفعلون , ويفعلون فيخلصون , ويخلصون فيؤجرون , ويؤجرون فيفوزون .
المصدر: تفسير ابن عثيمين، صيد الفوائد
نص الآيات:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(268))البقرة
وفي التفسير:
يأمر تعالى عباده المؤمنين بالنفقة من طيبات ما يسر لهم من المكاسب، ومما أخرج لهم من الأرض فكما منَّ عليكم بتسهيل تحصيله فأنفقوا منه شكرا لله وأداء لبعض حقوق إخوانكم عليكم، وتطهيرا لأموالكم، واقصدوا في تلك النفقة الطيب الذي تحبونه لأنفسكم، ولا تيمموا الرديء الذي لا ترغبونه ولا تأخذونه إلا على وجه الإغماض والمسامحة ( واعلموا أن الله غني حميد ) فهو غني عنكم ونفع صدقاتكم وأعمالكم عائد إليكم، ومع هذا فهو حميد على ما يأمركم به من الأوامر الحميدة والخصال السديدة، فعليكم أن تمتثلوا أوامره لأنها قوت القلوب وحياة النفوس ونعيم الأرواح.
وإياكم أن تتبعوا عدوكم الشيطان الذي يأمركم بالإمساك، ويخوفكم بالفقر والحاجة إذا أنفقتم، وليس هذا نصحا لكم، بل هذا غاية الغش ( إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) بل أطيعوا ربكم الذي يأمركم بالنفقة على وجه يسهل عليكم ولا يضركم، ومع هذا فهو ( يعدكم مغفرة ) لذنوبكم وتطهيرا لعيوبكم ( وفضلا ) وإحسانا إليكم في الدنيا والآخرة، من الخلف العاجل، وانشراح الصدر ونعيم القلب والروح والقبر، وحصول ثوابها وتوفيتها يوم القيامة، وليس هذا عظيما عليه لأنه ( واسع ) الفضل عظيم الإحسان ( عليم ) بما يصدر منكم من النفقات قليلها وكثيرها، سرها وعلنها، فيجازيكم عليها من سعته وفضله وإحسانه، فلينظر العبد نفسه إلى أي الداعيين يميل، فقد تضمنت هاتان الآيتان أمورا عظيمة منها: الحث على الإنفاق، ومنها: بيان الأسباب الموجبة لذلك، ومنها: وجوب الزكاة من النقدين وعروض التجارة كلها، لأنها داخلة في قوله: ( من طيبات ما كسبتم ) ومنها: وجوب الزكاة في الخارج من الأرض من الحبوب والثمار والمعادن، ومنها: أن الزكاة على من له الزرع والثمر لا على صاحب الأرض، لقوله ( أخرجنا لكم ) فمن أخرجت له وجبت عليه ومنها: أن الأموال المعدة للاقتناء من العقارات والأواني ونحوها ليس فيها زكاة، وكذلك الديون والغصوب ونحوهما إذا كانت مجهولة، أو عند من لا يقدر ربها على استخراجها منه، ليس فيها زكاة، لأن الله أوجب النفقة من الأموال التي يحصل فيها النماء الخارج من الأرض، وأموال التجارة مواساة من نمائها، وأما الأموال التي غير معدة لذلك ولا مقدورا عليها فليس فيها هذا المعنى، ومنها: أن الرديء ينهى عن إخراجه ولا يجزئ في الزكاة
الترجمة:
:English Translation
( 267 ) O you who have believed, spend from the good things which you have earned and from that which We have produced for you from the earth. And do not aim toward the defective therefrom, spending [from that] while you would not take it [yourself] except with closed eyes. And know that Allah is Free of need and Praiseworthy.
( 268 ) Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allah promises you forgiveness from Him and bounty. And Allah is all-Encompassing and Knowing.
المقاطع الصوتية:
نوع AMR
”الحذيفي”
”السديس”
”علي جابر”
”الشريم”
”عبدالباسط عبدالصمد”
”عبدالله خياط”
”محمد أيوب”
”المعيقلي”
”العفاسي”
”الأحمد”
”فارس عباد”
”الدوسري”
”المحيسني”
”القاسم”
”القطامي”
”الغامدي”
المقاطع الصوتية:
نوع MP3
”الحذيفي”
”السديس”
”علي جابر”
”الشريم”
”عبدالباسط عبدالصمد”
”عبدالله خياط”
”محمد أيوب”
”المعيقلي”
”العفاسي”
”الأحمد”
”فارس عباد”
”الدوسري”
”المحيسني”
”القاسم”
”القطامي”
”الغامدي”
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق