الأحد، 7 سبتمبر 2014

البطاقة السادسة والسبعين


العفو عن الظالم



حثنا الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم على خلق العفو والصفح والتسامح وجعل العفو عن الناس أقرب إلى التقوى كما جعله سبباً لمرضاة الله ومغفرته وعفوه.
والعفو: هو ترك المؤاخذة بالذنب ، وأما الصفح : فهو ترك أثره من النفس وكونه لم يبق أثره في النفس قمة في التسامح.
إن الإسلام يريد من أبنائه أن يكونوا دعاةً للإسلام بأخلاقهم الحميدة من أجل ذلك وجههم إلى العفو والتسامح والصفح عمن أخطأوا في حقهم
العفو والصّفح هما خلُقُ النبيّ، فأين المشمِّرون المقتَدون؟! أين من يغالِبهم حبُّ الانتصار والانتقام؟! أين هم من خلُق سيِّد المرسَلين؟!

إنَّ العفو عن الآخرين ليس بالأمرِ الهيِّن؛ إذ له في النّفسِ ثِقلٌ لا يتِمّ التغلُّب عليه إلاّ بمصارعةِ حبِّ الانتصار والانتقامِ للنفس، ولا يكون ذلك إلا للأقوياءِ الذين استعصَوا على حظوظ النّفس ورغباتها وإن كانت حقًّا لهم يجوزُ لهم إمضاؤُه لقوله تعالى: (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ)، غيرَ أنَّ التنازل عن الحقّ وملكةَ النفس عن إنفاذِه لهو دليلٌ على تجاوزِ المألوفِ وخَرق العادات.

إنّ العفو والتجاوز لا يقتضِي الذّلَّةَ والضعف، بل إنه قمَّة الشجاعة والامتنانِ وغلَبَة الهوى، لا سيَّما إذا كان العفوُ عند المقدِرَة على الانتصار. فالعفو هو خلق الأقوياء الذين إذا قدروا وأمكنهم الله ممن أساء إليهم عفوا ، وهو من صفات المؤمنين المتقين.

أين موقعنا نحن جميعاً من مبدأ العفو الصفح والمسامحة ومن قوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).

ونقطة مهمة نود التنبيه إليها بالتفريق بين ما يجب الغضب فيه وعدم التساهل فيه، وبين ما ينبغي العفو والصفح عنه، فالغضب يكون فيما تنتهك فيه حرمات الله، والعفو والصفح فيما يتعلق بالشخص المظلوم أو فيه ضرر بالظالم، وقد ثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمات الله.

قال ابن عثيمين رحمه الله: "ولكن ينبغي أن يعلم أن المغفرة لمن أساء إليك ليست محمودة على الإطلاق؛ فإن الله تعالى قيد هذا بأن يكون العفو مقروناً بالإصلاح فقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه﴾ [الشورى:40] ، أما إذا لم يكن في العفو والمغفرة إصلاح فلا تعف ولا تغفر.
مثال ذلك: لو كان الذي أساء إليك شخصاً معروفاً بالشر والفساد، وأنك لو عفوت عنه لكان في ذلك زيادة في شرِّه.
ففي هذه الحال الأفضل أن لا تعفو عنه، بل تأخذ بحقك من أجل الإصلاح، أما إذا كان الشخص إذا عفوت عنه لم يترتب على العفو عنه مفسدة؛ فإن العفو أفضل وأحسن لأن الله يقول:﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه﴾ ، وإذا كان أجرك على الله لكان خيراً لك من أن يكون ذلك بمعاوضةٍ تأخذ من أعمال صاحبك الصالحة".

ولأن بعض الناس قد يزهد في العفو لظنه أنه يورثه الذلة والمهانة فقد أتى النص القاطع يبين أن العفو يرفع صاحبه ويكون سبب عزته. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله". والواجب على المسلم أن يتعلم فضيلة وخلق العفو والتسامح وأن لا يجعل الخصومة سبيلا إلى معاداة الناس ومحاولة الأذى لهم ؛ فإن ذلك ليس من أخلاق الكرام.
يقول الإمام ابن القيم : يا ابن ادم .. إن بينك وبين الله خطايا وذنوب لايعلمها إلا هو ، وإنك تحب أن يغفرها لك الله ، فإذا أحببت أن يغفرها لك فاغفر أنت لعباده ، وأن وأحببت أن يعفوها عنك فاعف أنت عن عباده ، فإنما الجزاء من جنس العمل ... تعفو هنا يعفو هناك ، تنتقم هنا ينتقم هناك تطالب بالحق هنا يطالب بالحق هناك.
وأخرج الإمام أحمَد في مسنده قولَ النبيِّ : "من كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن ينفِذَه دعاه الله على رؤوسِ الخلائق حتى يخيِّرَهُ من أيِّ الحور شاء".
فسامح أخاك واعفو عنه ، وقل : اللهم قد وهبت من أخطأ في حقي خطأه صدقة منِّى عليه ، فلعل الله يقبل صدقتك .
جعلنا الله من العافين عن الناس ، ورزقنا عفو ورحمة رب الناس وجنبنا الزلل في القول والعمل.

المصدر: صيد الفوائد، ابن عثيمين

نص الآيات:
(وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (39) وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ (44))الشورى


وفي التفسير:
( وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ ) أي: وصل إليهم من أعدائهم ( هُمْ يَنْتَصِرُونَ ) لقوتهم وعزتهم، ولم يكونوا أذلاء عاجزين عن الانتصار.
فوصفهم بالإيمان، والتوكل على الله، واجتناب الكبائر والفواحش الذي تكفر به الصغائر، والانقياد التام، والاستجابة لربهم، وإقامة الصلاة، والإنفاق في وجوه الإحسان، والمشاورة في أمورهم، والقوة والانتصار على أعدائهم، فهذه خصال الكمال قد جمعوها، ويلزم من قيامها فيهم، فعل ما هو دونها، وانتفاء ضدها.
( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (43)).
ذكر الله في هذه الآية، مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل وفضل وظلم.
فمرتبة العدل، جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، فالنفس بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يضمن بمثله.
ومرتبة الفضل: العفو والإصلاح عن المسيء، ولهذا قال: ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) يجزيه أجرا عظيما، وثوابا كثيرا، وشرط الله في العفو الإصلاح فيه، ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق العفو عنه، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته، فإنه في هذه الحال لا يكون مأمورا به.
وفي جعل أجر العافي على الله ما يهيج على العفو، وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه، فَلْيَعْفُ عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله، فليسامحهم، فإن الجزاء من جنس العمل.
وأما مرتبة الظلم فقد ذكرها بقوله: ( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) الذين يجنون على غيرهم ابتداء، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته، فالزيادة ظلم.
( وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ ) أي: انتصر ممن ظلمه بعد وقوع الظلم عليه ( فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ) أي: لا حرج عليهم في ذلك.
ودل قوله: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ ) وقوله: ( وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ ) أنه لا بد من إصابة البغي والظلم ووقوعه.
وأما إرادة البغي على الغير، وإرادة ظلمه من غير أن يقع منه شيء، فهذا لا يجازى بمثله، وإنما يؤدب تأديبا يردعه عن قول أو فعل صدر منه.
( إِنَّمَا السَّبِيلُ ) أي: إنما تتوجه الحجة بالعقوبة الشرعية ( عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) وهذا شامل للظلم والبغي على الناس، في دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
( أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أي: موجع للقلوب والأبدان، بحسب ظلمهم وبغيهم.
( وَلَمَنْ صَبَرَ ) على ما يناله من أذى الخلق ( وَغَفَرَ ) لهم، بأن سمح لهم عما يصدر منهم، ( إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ ) أي: لمن الأمور التي حث الله عليها وأكدها، وأخبر أنه لا يلقاها إلا أهل الصبر والحظوظ العظيمة، ومن الأمور التي لا يوفق لها إلا أولو العزائم والهمم، وذوو الألباب والبصائر.
فإن ترك الانتصار للنفس بالقول أو الفعل، من أشق شيء عليها، والصبر على الأذى، والصفح عنه، ومغفرته، ومقابلته بالإحسان، أشق وأشق، ولكنه يسير على من يسره الله عليه، وجاهد نفسه على الاتصاف به، واستعان الله على ذلك، ثم إذا ذاق العبد حلاوته، ووجد آثاره، تلقاه برحب الصدر، وسعة الخلق، والتلذذ فيه.
( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44)) 
يخبر تعالى أنه المنفرد بالهداية والإضلال، وأنه ( مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ ) بسبب ظلمه ( فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ ) يتولى أمره ويهديه.
( وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ) مرأى ومنظرا فظيعا، صعبا شنيعا، يظهرون الندم العظيم، والحزن على ما سلف منهم، و ( يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ) أي: هل لنا طريق أو حيلة إلى رجوعنا إلى الدنيا، لنعمل غير الذي كنا نعمل، وهذا طلب للأمر المحال الذي لا يمكن.


الترجمة:
:English Translation



39. And those who, when an oppressive wrong is done to them, take revenge.

40. The recompense for an evil is an evil like thereof; but whoever forgives and makes reconciliation, his reward is with Allâh. Verily, He likes not the Zâlimûn (oppressors, polytheists, and wrong-doers).

41. And indeed whosoever takes revenge after he has suffered wrong, for such there is no way (of blame) against them.

42. The way (of blame) is only against those who oppress men and rebel in the earth without justification; for such there will be a painful torment.

43. And verily, whosoever shows patience and forgives, that would truly be from the things recommended by Allâh.

44. And whomsoever Allâh sends astray, for him there is no Walî (protector, helper, guardian) after Him. And you will see the Zâlimûn (polytheists, wrong-doers, oppressors): when they behold the torment, they will say: "Is there any way of return (to the world)?"

المقاطع الصوتية:
نوع AMR

”الحذيفي”
”السديس”
”علي جابر”
”الشريم”
”عبدالباسط عبدالصمد”
”عبدالله خياط”
”محمد أيوب”
”المعيقلي”
”العفاسي”
”الأحمد”
”فارس عباد”
”الدوسري”
”الغامدي”
”المحيسني”
”القاسم”




المقاطع الصوتية:
نوع MP3

”الحذيفي”
”السديس”
”علي جابر”
”الشريم”
”عبدالباسط عبدالصمد”
”عبدالله خياط”
”محمد أيوب”
”المعيقلي”
”العفاسي”
”الأحمد”
”فارس عباد”
”الدوسري”
”الغامدي”
”المحيسني”
”القاسم”

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق