الشائعات
داء عضال أصيب به الكثير من المجتمعات له أثر بالغ وتأثير كبير فكم دمر من مجتمعات وهدم من أسر وفرق بين الأحبة.. كم أهدر من أموال وضيع من أوقات.. كم أحزن من قلوب وأورث الحسرات. فهو من أعظم آفات اللسان ومن أخطر القضايا على المجتمعات. وقد ابتلي به الكثير من المسلمين بنشر هذه الإشاعات سواء بقصد أو بدون قصد بترديدها دون نظرٍ في نتائجها، و دون نظرٍ في الشرور الناتجة عنها والتحقق من صحة مصادرها.
تتطور الشائعات بتطور العصور، ويمثل عصرنا الحاضر عصراً ذهبياً لرواج الشائعات المغرضة، وما ذاك إلا لتطور التقنيات وكثرة وسائل الاتصالات من هواتفٍ وجوالات، التي مثلت العالم قرية كونية واحدة، فآلاف الوسائل الإعلامية، والقنوات الفضائية، والشبكات المعلوماتية من مواقع ومنتديات ورسائل البريد الإلكتروني، تتولى كبر نشر الشائعات المغرضة، والحملات الإعلامية المحمومة، في صورة من أبشع الصور والتحطيم المعنوي، له دوافعه المشينة، وأغراضه المشبوهة، وتفعل مالا يفعله العدو بمخابراته ومعداته، مركزة على شائعات الخوف والمرض، وإثارة القلق والرعب والحروب، وزرع بذور الفتنة، وإثارة البلبلة بين الناس، لا سيما في أوقات الأزمات، يوافق ذلك فراغ عند المتلقي وفضول، وبطالة وخمول، فتسري الشائعة في الناس مسرى الهواء، وتهيج فيهم هيجان البحر المتلاطم، وتكمن خطورتها أنها سلاح جنوده مغفلون أغرار، سحرتهم الشائعات ببريقها الخادع، فأصبحوا يرددونها كالببغاوات، دون أن يدركوا أنهم أدوات يُستخدمون لمصالح أعدائهم وهم لا يشعرون.
إذا كان في دنيا النبات طفيليات تلتف حول النبتة الصالحة لتفسد نموها؛ فإن الشائعات ومروجيها أشد وأنكى، لما يقومون به من خلخلة البُنى التحتية للمجتمع، وتقويض أركانه وتصديع بنيانه.
فكم تجنّوا على أبرياء، وأشعلوا نار الفتنة بين الأصفياء، وكم نالوا من علماء وعظماء، وكم هدمت الشائعة من وشائج، وتسببت في جرائم، وفككت من أواصر وعلاقات، وحطمت من أمجاد وحضارات، وكم دمرت من أسر وبيوت، وأهلكت من حواضر ومجتمعات، بل لرب شائعة أثارت فتناً وبلايا، وحروباً ورزايا، وأذكت نار حروب عالمية، وأججت معارك دولية، وإن الحرب أولها كلام، ورب كلمة سوء ماتت في مهدها، ورب مقالة شر أشعلت فتناً، لأن حاقداً ضخمها ونفخ فيها.
و إذا أردت أن تعلم عظيم شرها، فانظر إلى الشائعات التي كانت ضد الأنبياء السابقين وماذا فعلت وانظر في حادثة الإفك: كيف أن النبي صلى الله عليه و سلم مكث شهرا كاملا وهو مهموم محزون، لا وحي ينزل يبين له حقيقة الأمر، و لا يعرف عن أهل بيته إلا الطهر و العفاف.
وقد ثبت في صحيح مسلم قوله عليه الصلاة والسلام:((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)) وفي رواية: ((كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع))
كيف نتعامل معها؟
1- التثبت
أ- إرجاع الأمر لأهل الاختصاص
ب- التفكر في محتوى الإشاعة و التأني والتروي قبل نشرها
2- الناقل للإشاعة من الفاسقين
فمجرد نقل الأخبار دون التأكد من صحتها موجب للفسق.
فالعاقل يعلم أنه ليس كل ما يسمع يقال.
و لا كل ما يعلم يصلح للإشاعة و النشر.
بل قد يكون الخبر صحيحا و لكن لا مصلحة في نشره أبدا.
3- التفكر في عواقب الإشاعة
نقطة هامة نود التنبيه إليها وهي أن الله سبحانه و تعالى جعل العلاج لقضية الإشاعة من خلال الناقلين لها من المؤمنين أنفسهم دون التركيز على مصدر الإشاعة و ذلك لأن مصدر الإشاعة قد يكون من أهل النفاق أو من الكفار أو من الأعداء، و هؤلاء لا حيلة معهم، فان من دأبهم نشر الإشاعة لإضعاف المسلمين.
وإنك لتأسف أشد الأسف ممن يتلقى الشائعات المغرضة، وكأنها حقائق مسلمة. بل إن كل خسارة، كل هم وغم أصاب أخيك المسلم، وكل أموال أهدرت بسبب إشاعتك التي نشرتها أو ساعدت في نشرها فلك نصيب من الإثم فيها. والإنسان مسئول أمام الله عز وجل ومحاسب عن كل صغير وجليل.
هل يجوز لنا ويليق بنا نحن أهل الإسلام أن نتخلى عن شيء من ثوابتنا؟ أو أن تهتز بعض قناعتنا؟ أو أن نظن غير الحق بأحد من علمائنا، وفضلائنا بمجرد وشاية كاذبة أو شائعة مغرضة؟ أين عقولنا وتفكيرنا؟ بل أين ديننا وإيماننا أن نتلقف كل شيء تحت شعار قالوا وزعموا؟!
الأمة مطالبة كلٌ في مجاله، للقضاء على هذه الظاهرة التي لها آثارها المدمرة ضد أمن الأمة واستقرار المجتمع، كما أن على البيت والمسجد والأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام دوراً كبيراً في الحفاظ على سلامة المجتمع من شرورها وأخطارها، بدءاً بالوعي وتقوية الوازع الإيماني، وتبيين الحقائق ونشرها، وعدم التساهل في نقل الكلام وبث الأنباء، لا سيما في أوقات الأزمات، وعدم التهويل والإثارة في التعليقات، والمبالغة في التحليلات المشبوهة وبذلك نسد الطريق أمام هذه الشبهات
المراجع: صيد الفوائد، خطبة للشيخ عبدالرحمن السديس، الإسلام سؤال وجواب
وفي التفسير:
من الآداب التي على أولي الألباب التأدب بها واستعمالها وهو انه إذا أخبرهم فاسق بنبأ أي خبر أن يتثبتوا في خبره، ولا يأخذوه مجردًا، فإن في ذلك خطرًا كبيرًا، ووقوعًا في الإثم، فإن خبره إذا جعل بمنزلة خبر الصادق العدل، حكم بموجب ذلك ومقتضاه، فحصل من تلف النفوس والأموال، بغير حق، بسبب ذلك الخبر ما يكون سببًا للندامة، بل الواجب عند خبر الفاسق، التثبت والتبين، فإن دلت الدلائل والقرائن على صدقه، عمل به وصدق، وإن دلت على كذبه، كذب، ولم يعمل به، ففيه دليل، على أن خبر الصادق مقبول، وخبر الكاذب، مردود، وخبر الفاسق متوقف فيه كما ذكرنا، ولهذا كان السلف يقبلون روايات كثير [من] الخوارج، المعروفين بالصدق، ولو كانوا فساقًا.
سبب نزول الآية :
أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات، وأنه لما أتاهم الخبر فرحوا ، وخرجوا ليتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله : إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة .
فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك غضباً شديداً، فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد ، فقالوا : يا رسول الله : إنا حُدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق ، وإنا خشينا أن يكون إنما رده كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا ، وإنا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله !
وأن رسول الله استعتبهم ، وهمّ بهم ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية الحجرات(6).
نص الآية:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6))الحجرات
المقاطع الصوتية:
”الحذيفي”
”السديس”
”الشريم”
”عبدالباسط عبدالصمد”
”عبدالله خياط”
”محمد أيوب”
”المعيقلي”
”الأحمد”
”العفاسي”
”فارس عباد”
”الدوسري”
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق